الشيخ الأميني
335
الغدير
نظرية أبي ذر في الأموال وافى سيدنا أبو ذر كغيره من قرناءه المقتصين أثر الكتاب والسنة يبغي صالح قومه ونجاح أمته ، يبغي بهم أن لا يتخلفوا عنهما قيد ذرة ، يريد أن ينفي عن الناس البخل الذميم ، وأن تكون لضعفاء الأمة لماظة من منائح الأغنياء ، وأن لا يمنعوا حقوقهم التي افترضها الله لهم ، وكان نكيره الشديد متوجها إلى مغتصبي أموال الفقراء ، والى أهل الأثرة الذين كانت القناطير المقنطرة من الذهب والفضة منضدة في دورهم ، وكانت سبائك التبر تقسم بكسرها بالفؤوس ، من دون أن تخرج منها الحقوق المفروضة من أخماس وزكوات ، ومن غير إغاثة للملهوفين الذين كان قوتهم السغب ، وريهم الظمأ وراحتهم النكد ، وعند القوم أموال لهم متكدسة لا تنتفع بها العفاة ، ولا يستفيد من نماءها المجتمع ، ولا يصرف شئ منها في الصالح العام ، وقد شاء الله سبحانه للذهب والفضة أن تتداول بهما الأيدي ، ويتقلبا في وجوه الحرف والمهن والصنايع ، فتنتجع العامة بهما فأربابهما بالأرباح ، والضعفاء بالأجور ، والبلاد بالعمران ، والأراضي بالإحياء والمعالم والمعارف بالدعاية والنشر ، والملأ العلمي بالجوامع والكليات والكتب والصحف ، والمضطرون بحقوقهما الإلهية واستحكامات تقتضيها الظروف ، حتى تكون الأمة سعيدة بما يتسنى لها من تلكم الجهات من السعي وراء مناجحها ، ولذلك حرم المولى سبحانه اتخاذ الأواني من الذهب والفضة لئلا يبقيا جامدين يعدوهما أعظم الفوائد وأكثرها المرقومة فيهما المترقبة منهما من الوجوه التي ذكرناها . كان نكير سيدنا أبي ذر موجها إلى أمثال من ذكرناهم كمعاوية الذي كان يرفع أبو ذر عقيرته على بابه كل يوم ويتلو قوله تعالى : الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . وكان يرى الأموال تجبى إليه فيقول : جاءت القطار تحمل النار . وكمروان الذي كان إحدى منايح عثمان له خمس إفريقية وهو خمسمائة ألف دينار .